الأيام

الملا راشد بوحمود «رحمه الله تعالى» أهـــــل العلـــــــم فــــي بـــلادنــــــــــــا

صحيفة الايام

@Alayam
العدد 10274 الجمعة 26 مايو 2017 الموافق 30 شعبان 1438


البحرين تحفل برجالاتها الذين نشروا العلم والسنن المرضية، وسعوا في ذلك بسواعدهم الأبيَّة وأفكارهم المُضِيَّة، سجلوا جهدهم وتضحيتهم وسماحتهم في صفحات التاريخ وسطور الشرف؛ ولكي لا تنطوي صفحات حياتهم ويعلوها غبار النسيان وضياع الذكريات، نجدد إحياءها بنشر تراجمهم وسيرهم، ذكرًا لأخبار الثقات وإعلامًا بالقدوات.
وتأتي هذه الأسطر في شخصية محرقية وفقيه من فقهاء المالكية بالبحرين تعرفه محاريب المساجد في ستين عامًا، وأنست به الحلقات والدروس وألفه الناس لأخلاقه وتواضعه، إنه الشيخ راشد بن سالم بوحمود رحمه الله وأسكنه جنته.
ولادته ونشأته وحياته: ولد الشيخ راشد بمدينة المحرق عام (1344هـ/‏1925م)، توفي والده وهو صغير، وتربى في كنف أمه وأخواله من أسرة أبي هيّال الكريمة، وقد كان في بداية حياته مبصرًا وفي العاشرة من عمره فقد بصره بسبب مرض الجدري. تزوج وله من الأبناء أربعة: أحمد ومحمد ومال الله وسالم، ومن البنات خمس: شريفة وعائشة وفاطمة وبدرية ومريم.
صفاته الُخلقية: كان رحمه الله عابدًا تقيًّا ورعًا قنوعًا صبورًا وقورًا باذلًا للخير، قليلَ الكلام عفَّ اللسان يحب الدعابة والمِزاح، ساعيًا في جمع الكلمة وإصلاح ذات البين، يَنْأى بنفسه عن الكلام فيما يُفَرِقُ الأمة ويشتتها، دائمًا ما تصحب تعابير وجهه تلك الابتسامة السعيدة الراضية.
نشأته العلمية: بدأ بحفظ القرآن الكريم على امرأة ثم عند غيرها من المعلمين إلى أن حفظه كاملا، وكان بعد ذلك وهو كفيف البصر في شهر رمضان يُذْهَبُ به إلى مسجد ليصلي التراويح خلف إمام يختم القرآن، لتكون فرصة له في مراجعته وتعاهده لكتاب الله تعالى، وقد درس الفقه على مذهب الإمام مالك بن أنس وغير ذلك من العلوم الشرعية.
تلقى تعليمه للعلوم الشرعية على مشايخ البحرين ومنهم:
1- الشيخ: عبدالله بن الشيخ إبراهيم الصحاف المالكي. (ت 1366هـ/‏1947م).
2- الشيخ القاضي: عبداللطيف بن علي الجودر المالكي. (ت1366هـ/‏1947م).
3- الشيخ: محمد بن الشيخ عيسى بن راشد بن خميس المالكي.
(ت1383هـ/‏1963م).
4- الشيخ القاضي: عبدالله بن عبدالعزيز آل الشيخ مبارك الأحسائي المالكي.
(ت1398هـ/‏ 1978م).
ولم تتسن له الفرصة في الارتحال رحمه الله في طلب العلم، وقد يرجع ذلك لفقد بصره في سنٍّ مبكرة، أو بسبب الحال المعيشي، وهذا لا يخدش في همة الشيخ راشد فقد كان محبًا للعلم راغبًا فيه باذلًا له.
أعماله الدينية:
قُدّم لإمامة الناس بمسجد سيادي، ثم عين إمامًا في عددٍ من المساجد بالمحرق إلى أن انتهى به التعيين للإمامة بمسجد بن نصر بفريق البوكواره بالمحرق إلى أن توفاه الله لمدة تربو على الأربعين سنة، وبمجموع ستين سنة من أولى سنوات إمامته في المساجد. وكان مع إمامته متطوعًا للتدريس فكانت لديه حلقات قرآنية ودروس علمية.

الكتب التي درسها وقُرأت عليه:
• كان رحمه الله وأسكنه جنته حريصًا على إقراء كتب السنة النبوية، فأقرأ: صحيح البخاري للإمام أبي عبدالله محمد بن اسماعيل البخاري، وسنن النسائي للإمام أبي عبدالرحمن أحمد بن شعيب النسائي، والموطأ لإمام دار الهجرة أبي عبدالله مالك بن أنس الأصبحي رحمه الله، وكذلك في أحاديث الأحكام كُررت قراءة كتاب بلوغ المرام من أدلة الاحكام للإمام ابن حجر العسقلاني، وفي العرضة الأخيرة قُرئ عليه مع شرحه للشيخ عبدالله البسام الموسوم بـ «توضيح الأحكام».
• وكان الشيخ يحث الطلبة على الاهتمام بالفقه والتركيز عليه؛ بل كان رحمه الله يحث العامي على تعلم جملة من العبادات من خلال قراءة كتاب فقهي ليُصلح به عبادته وحاله؛ ومن جملة ما قُرئ عليه في فقه السادة المالكية:
1- العشماوية مع شرحها للشيخ أحمد بن تركي وحاشيتها للصَفْتِي.
2- هداية المتعبد السالك شرح متن الأخضري للشيخ صالح عبدالسميع الآبّي الأزهري.
3- المقدمة العزية للجماعة الأزهرية للشيخ العلامة أبي الحسن علي المُنوفي المالكي.
4- متن الرسالة للإمام ابن أبي زيد القيرواني.
5- تدريب السالك لشيخ شيوخه العلامة عبدالعزيز بن حمد آل الشيخ مبارك الأحسائي.
6- أقرب المسالك وشرحه الشرح الصغير للشيخ العلامة سيدي أحمد الدَرْدِير.
• ومما درسّه أيضًا وهو يدخل بالفقه علم المواريث.
• وفي اللغة: كان يدرّس علم النحو، فدرّس متن الآجرومية وعلّق على شرحيها شرح الشيخ خالد الأزهري وشرح الشيخ محمد محيي الدين عبدالحميد الموسوم بـ «التحفة السنية».
• وفي الآداب والتزكية: قُرئ عليه كتاب الروح للإمام أبي عبدالله شمس الدين ابن قيم الجوزية.
ومن أبرز تلاميذه:
1- الشيخ إبراهيم بن محمد بن عبدالله آل خليفة (ت1430هـ/‏2009م).
( وكيل وزارة الداخلية سابقًا ).
2- الشيخ د. إبراهيم بن عبدالله مطر.
( أستاذ مشارك بكلية الهندسة بجامعة البحرين).
3- الشيخ أحمد بن جلال.
( مرشد ديني بوزارة الداخلية سابقًا).
4- الشيخ أحمد بن علي القلاف.
( إمام مسجد أبي حامد الغزالي بقلالي).
5- الشيخ حسين بن خليل اليازي.
( إمام بالديوان الملكي بمملكة البحرين).
6- الشيخ القاضي عدنان بن عبدالله القطّان. ( )
( رئيس محكمة التمييز الشرعية ورئيس بعثة الحج البحرينية وخطيب جامع مركز أحمد الفاتح الإسلامي).
7- الشيخ وحيد بن عبدالله مال الله.
( إمام مسجد بن نايم بالمحرق ).
8- الشيخ وديع بن عبدالله العربي.
وممن أفاد منه كذلك جمع منهم: عبدالله بن مساعد وعتيق بن راشد رحمهما الله وعلي بودلامة وحسان المنصوري.
زياراتٌ وصِلاتٌ:
كان الشيخ راشد رحمه الله على صلة وثيقة وزيارات مستمرة في المناسبات وغيرها لأهل العلم والفضل، ففي المحرق كان يحرص على زيارة مشايخه في التعليم فضيلة الشيخ القاضي عبداللطيف الجودر وفضيلة الشيخ القاضي عبدالله بن عبدالعزيز آل الشيخ مبارك «القاضي المُميّز» فترة تواجده في البحرين وقبل رجوعه للأحساء، وهذا يدل على إحسانه وبرّه بأشياخه ومربيه، ويزور زميله فضيلة الشيخ محمد بن أحمد الأحمدي «إمام مسجد الصادق بالمحرق» ( ت1411هـ/‏1991م)، وهذا يدل على حسن صلته ولطف عشرته. وفي المنامة يزور مجلس آل سعد في فترة حياة فضيلة الشيخ القاضي عبداللطيف بن الشيخ محمد آل سعد ( ت1387هـ/‏1968م)، واستمرت زياراته للمجلس إلى وفاته رحمه الله وكان حينها القائم على المجلس فضيلة الشيخ القاضي إبراهيم بن الشيخ عبداللطيف آل سعد ( ت1438هـ/‏2017م)، وأيضًا كان يزور الشيخ محمد الحبّاب بن الشيخ أحمد المهزع ( ت 1398هـ/‏ 1978م)، وممن يزورهم أيضًا صديقه الحميم وشبيهه في الهيئة والصوت واللباس وفقد البصر الشيخ عبدالرحمن بن عيسى الشنو ( ت1414هـ/‏1993م). وفي خارج البحرين كانت تربطه علاقة بأسرة آل أبي بكر الملا الأحسائية فكان يزورهم في مجلسهم ومدرستهم بالأحساء مرات، وقد حجَّ الشيخ راشد غير مرة رحمه الله رحمة واسعة.
مواقف وذكريات: في بداية الثمانينات كان المسجد متهالك البناء وبعد صلاة الظهر في ذلك اليوم سُمِع سقوط حجارة، فظنوا أن سيارة نقل تقوم بإفراغ الطابوق، ففوجئوا بالجزء الخلفي للمسجد يهوي إلى أن تتابع إلى الجزء الأمامي ولم يبق إلا جزء يسير، وقد أُخرج الشيخ راشد رحمه الله هو ومن معه ومنهم مؤذن المسجد عبدالله بن مساعد رحمه الله وقد كان كفيفًا أيضا من فتحة المكيّف!
خاطرة الرحيل:
كان الشيخ راشد رحمه الله أكبر رواد مجلس الجد حمد بن عبدالرحمن البوعفرة الكواري ( ت1421هـ/‏2001م) الأسبوعي بعد صلاة الجمعة، ولم ينقطع عنه حتى بعد وفاة الجد حمد فقد كان صديقًا وفيًّا له، وجارًا عزيزًا عليه؛ وبفضل ذلك أذكر جيدًا بعض حديثه النافع وارتسامات وجهه الجميلة التي غمرت المجلس روحًا وفعاليةً، يتردد في مسمعي الآن صلاة التراويح لهذه الليلة عشرون ركعة، لا تزال تنعكس بين عيني صورة ذلك الشيخ الذي يلبس بشتًا يمسك عصاته خارجًا من بيته إلى المسجد فأُمسك بيديه، وكان لا يدخل إلا من الباب الأوسط في ليوان المسجد! ما رأيته إلا منبسطًا إلى الناس سائلًا عن أحوالهم، وقد أثنى عليه أقرانه وزملاؤه وأوصوا من يعرفه بالدراسة عنده والأخذ عنه كالشيخ محمد الأحمدي والشيخ عبدالله الجودر «صاحب المكتبة العصرية بالمحرق».
وفي عصر يوم الأربعاء الثامن عشر من شهر ذي الحجة سنة 1426هـ، الموافق 18/‏ يناير/‏ 2006م توفي الشيخ راشد بن سالم بوحمود، ودُفِنَ في صباح يوم الخميس بمقبرة المحرق، رحمه الله وأسكنه جنته وبارك في ذريته وأخلف على الأمة خيرًا منه.

كلمات مفتاحية
Show more